أبي المعالي القونوي

107

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

الوجودي الذاتي المطلق الذي لا يتوقّف ثبوته له على أمر خارجي ؛ إذ ما ثمّ ما يخرج عنه ، وبهذا « 1 » صحّ الغنى « 2 » المشار إليه ، وليس هذا النظر عن حجاب متقدّم ، ولا أمر خارج متجدّد لم يكن حاصلا من قبل « 3 » - تعالى الحقّ عمّا لا يليق به - فلا تجدّد هناك ، ولا قبليّة ولا بعديّة إلّا بالنسبة ، ولكن لسان علم « 4 » المشاهد في عالمنا الآن - بعد معرفة الأمور وما بينها من التفاوت في الحكم والنعت ، والتقدّم والتأخّر ، وإدراكه لها في الحضرة العلميّة النوريّة الغيبيّة - يعرب عن أسرار الحقائق على مقدار ما تحتمله العبارة ، ويقتضيه حال المخاطب والمخاطب حين الخطاب ، ومراتبهما ومواطنهما ؛ إذ لكلّ ممّا ذكرنا فيما نروم بيانه حكم يوجب أثرا في الأمر « 5 » المعبّر عنه يخرجه عمّا كان عليه من النزاهة ، والإطلاق السابق للتقيّد « 6 » اللاحق له والعارض بسبب الموادّ والكيفيّات المختلفة حسب ما تقتضيه أدوات التوصيل « 7 » والقيود المذكورة ، كما أومأت إلى ذلك في سرّ الكلام من قبل . وبالجملة ، فقوى نشأة الإنسان تضعف عن ضبط كلّ ما تدركه نفس العارف حال المشاهدة والتجريد ، وعن كمال محاكاته والتعبير عنه ، وإبرازه على نحو ما تعلّق به الشهود ، ولذلك لا يستحضر حال الرجوع إلى عالم الشهادة إلّا كلّيات ما شاهده ، وبعض الجزئيّات لا كلّها ؛ لعدم مساعدة القوى الطبيعيّة ، وقصورها عن مدى مدرك البصيرة ، وضيق فلكها بالنسبة إلى فسيح مسرح النفس ، وسعة دائرة مرتبتها في حضرة القدس . وحال العارف فيما ذكرنا كحال الكاتب المجيد ذي الارتعاش في كونه يعرف الكتابة معرفة تامّة في نفسه « 8 » ، ولا يقدر على إظهارها على نحو ما يعلمها ؛ لعدم مساعدة الآلة له على ما يريد ، فمن « 9 » لا يعرف مراتب الوسائط والآلات ، وحكمها ، وقصورها بالنسبة إلى ما في نفس مستعملها ينسب القصور إلى المستعمل وليس كذلك ، وإنّما العيب من الآلة وقصور استعدادها الجزئي المجعول الوجودي أو الغيبي الكلّي الخارج عن دائرة الوجود

--> ( 1 ) . ب : لهذا . ( 2 ) . ب : المعنى . ( 3 ) . ق : قبل للحقّ . ( 4 ) . ق : عالم . ( 5 ) . في بعض النسخ : الأمور . ( 6 ) . ه : للتقييد . ( 7 ) . ق : التفصيل . ( 8 ) . ب : نفسها . ( 9 ) . ق : ومن ، ب : ممّن .